عبد الحي بن فخر الدين الحسني

167

نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر

شيئا من مباحثه لتطلع على ذلك ، والقليل يدل على الكثير . من « مباحث الأطباء » : البحث الأول في التعريف ، قال الأطباء : الطب علم يعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصح ويزول عن الصحة لتحفظ حاصله وتسترد زائله ، يرد عليه شكوك منها : انهم إن أرادوا بالأحوال الأحوال الكلية فاسناد المعرفة إليها غير جائز ، لأن المعرفة لا تتعلق بالأمور الكلية بل بالأمور الجزئية ، ولذا لا يقال « علمت اللّه » بل يقال « عرفت اللّه » ، كذا في « المطول » ؛ وإن سلمت صحة التعلق هاهنا لأن اختيار لفظ منه يدل على أن الأحوال مستفادة من الطب وليست عينه بخلاف الأحوال الكلية ، فإنها داخلة فيه ، فظهر أن إسناد المعرفة إلى الأحوال غير صحيح ، وإن أرادوا بالأحوال الأحوال الجزئية فهو أيضا محال ، لأن معرفة الأحوال الجزئية متأخرة من الطب ، وباعتبار أنه جزء مقوم لماهيته مقدم عليه فيلزم أن يكون الشئ الواحد متقدما ومتأخرا ، وهذا محال بالضرورة ، ومنها أن لفظ الزوال مشترك بين معنيين مختلفين وهما الانتقال والعدم ، واستعمال اللفظ المشترك ممنوع في التعريفات ، ومنها أن الزوال في قوله « زائله » لا يمكن استعماله بكلا المعنيين فبالمعنى الأول يلزم الانتقال ، وبالمعنى الثاني يلزم إعادة المعدوم ؛ وهما محالان عندهم . وقال في البحث الخامس في المزاج بعد شكوك عديدة ، قالوا : إن المزاج الإنسانى يعرض له اعتبارات ثمانية : اعتبار بحسب النوع ، واعتبار بحسب الصنف ، واعتبار بحسب الشخص ، واعتبار بحسب العضو ، وكل واحد منها إما بحسب الخارج أو الداخل ، وللكل عرض بين الإفراط والتفريط ، وهاهنا شبهة تفردت بها ترد بعد تسليم مقدمات ثلاث عند الكل : أحدها أن المزاج النوعي الإنسانى منحصر بين الإفراط والتفريط ، وثانيها أن المزاج الشخصي لكل فرد فرد على حدة وثالثها أن الأفراد غير متناهية